الموضوع: حافي القدمين
عرض مشاركة واحدة
#1  
قديم 19-02-2019, 03:46 PM
˛ ذآتَ حُسن ♔ متواجد حالياً
 
 عضويتي » 290
 اشراقتي » Aug 2017
 كنت هنا » اليوم (05:35 PM)
آبدآعاتي » 454,374[ + ]
سَنابِل الإبْداع » [ + ]
هواياتي » دنِيَــِا مَآ تِسِـِوَىَ ذَرَة . . [ آهتِمَآم «~
موطني » دولتي الحبيبه United Arab Emirates
جنسي  »
مُتنفسي هنا »  صوري  مُتنفسي هنا
 
مزاجي:
 
افتراضي حافي القدمين




تذكرته وأنا أراقب تصرفات هؤلاء المعدومين وهم يحومون حول صناديق القمامة ليلتقطوا منها كسرة خبز ليسدوا بها رمق أولادهم من الجوع!! تذكرته كلما وقعت عيني علي سيدة عجوز تمد يدها في الطريق تسأل الناس "الحاجة".. أو بائعة خضراوات تسعي علي قوت يومها حتي ساعات متأخرة من الليل!!
ما يجعلني أقارن بين عطاء أهل الخير في الزمن الجميل ومنهم والدي - رحمه الله - والبخل والشح الذي استبد بكثير من الناس في زماننا!!
تذكرت أبي وكان صائغا معروفا "أي جواهرجي" بحي الصاغة بمدينة الإسكندرية ومشهودا له بالكرم والسخاء وحبه للغلابة والمساكين آنذاك كنت طفلا في الرابعة من عمري وأثناء سيري معه في الطريق لفت انتباهه أماً تسحب ولدها من يده الذي يقاربني في العمر وهو حافي القدمين فاستوقفهما وخلع الحذاء والجورب من قدمي وألبسهما بيديه لذاك الطفل ثم حملني علي كتفه لنعود معا إلي البيت!!
وفي المساء سألته في براءة: "ليه عملت كده يا بابا"؟! فأجابني: انت عندك أكثر من حذاء وهذا المسكين ظروف أبويه لا تسمح بتغطية قدميه!!
وفي ليلة ممطرة من ليالي الشتاء في الإسكندرية عاد أبي إلي البيت حاملا مشنة مملوءة بالفجل والجرجير فتعجبت أمي - رحمها الله - من هذا فقال: وجدت امرأة تحمل طفلا رضيعا والمطر يهطل عليهما بشدة فأشفقت علي حالهما واشتريت "المشنة" بما فيها حتي تغادر برضيعها إلي بيتها علي الفور.. فما كان من أمي إلا أن أسرعت إلي دولابها لتأخذ منه بطانية وتعطيها لهذه البائعة المسكينة لتحمي نفسها وابنها من جو الشتاء القارس!
مازلت اتذكر أبي حينما جاءته احدي الجارات تطلب منه شراء القرط الذهبي "الحلّق" الذي في أذنيها لتشتري بثمنه ما تكمل به جهاز ابنتها العروس حتي تزف إلي بيتها في الموعد المحدد لكن والدي - جعله الله في ميزان حسناته - أعاد إليها القرط وأعطاها مبلغا يفوق ثمنه لتغطي به ما تحتاجه لاتمام جهاز ابنتها.. و.. وكان كل يوم اثنين يرسل في شراء كمية من السمك السردين الأخضر ويكلف أحد عماله بمهمة توزيعها علي بيوت السيدات الأرامل بحي السيالة!!
ولا تتعجبي لو علمت بأنني رجل في العقد الثامن من العمر وأشكر الله كثيرا علي الذاكرة القوية التي منحها لي والتي جعلتني محتفظاً بكل هذه المواقف لأبي مع انها وقعت وأنا مازلت طفلا في الرابعة لتظل محفورة ليس في عقلي بل في وجداني وكيف ولا وقد فقدت حنان أبي بعد شهور قليلة من واقعة الحذاء والمشنة والمطر لأعرف من بعده طعم الحرمان الحقيقي ما جعلني أشبُ مثله علي حب الفقراء والمساكين وأغرس في أولادي واحفادي تلك المعاني والخصال التي باتت شحيحة في زماننا بدليل ما تصطدم به عيني كل يوم في الشوارع والطرقات ما يجعلني اتساءل لماذا يتناقص الخير في حياتنا؟ لماذا اعتدنا رؤية المتسولين عند صناديق القمامة وعند غيرها دون أن تهتز لهم مشاعرنا؟!
رحمك الله يا أبي!!




 توقيع : ˛ ذآتَ حُسن ♔


رد مع اقتباس
الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ ˛ ذآتَ حُسن ♔ على المشاركة المفيدة: